السيد محسن الأمين

145

أعيان الشيعة ( الملاحق )

وفضلا وبركة احياء وأمواتا فلأنهم أنبياء الله ورسله الذين اختارهم واجتباهم برسالته وميزهم على جميع خلقه وجعلهم أمناء شرعه ودينه والصالحون هم أحباء الله المطيعون لأمره ونهيه فحرمتهم احياء وأمواتا لا يشك فيها مسلم وهو عند المسلمين ملحق بالضروريات فالنبي والصالح لا تسقط حرمته بموته وقد قال الامام مالك للمنصور كما مر في فصل التوسل ان حرمة النبي ( ص ) ميتا كحرمته حيا واعترف الوهابية في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية بان رتبة النبي ( ص ) أعلى مراتب المخلوقين وانه حي في قبره حياة برزخية وان من أنفق نفيس أوقاته بالصلاة عليه فقد فاز بسعادة الدارين وان كان المنقول عنهم كما مر انهم يقولون النبي طارش وعصا أحدنا أنفع له منه الا ان ضرورة دين الإسلام تقضي بخلاف هذا وان المكان يتشرف بالمكين وينال به الفضل والبركة وإذا ثبتت حرمة الأنبياء والصالحين احياء وأمواتا فبدفنهم في مكان يكتسب ذلك المكان شرفا وفضلا وبركة ويستحق التعظيم كما يستحق جلد الشاة التعظيم بجعله جلدا للمصحف وينال البركة والفضل بمجاورة المصحف فيجب تعظيمه وتحرم اهانته وتنجيسه وكما أن من احترام المصحف احترام جلده فمن احترام الأنبياء والصلحاء احترام قبورهم المتشرفة بأجسادهم الشريفة فتعظيم هذه القبور واحترامها هو بأمر الله الذي جعلها محترمة معظمة لأنها قبور أنبيائه ورسله الذين أمر باحترامهم وتعظيمهم فيكون عبادة لله تعالى لأن كلما كان عن امر الله فهو طاعة وعبادة لله وذلك كتعظيم الأخ في الله واحترامه والأبوين وخفض جناح الذل لهما والمسجد والكعبة والحرم والمقام والحجر بكسر الحاء والحجر الأسود وغيرها ( والحجر ) هو منزل إسماعيل وأمه ع ومدفنهما فان إبراهيم ع لما ذهب بهاجر وإسماعيل إلى مكة عمد بها إلى موضع الحجر وأمرها ان تتخذ فيه عريشا ولما ماتت دفنها إسماعيل في الحجر فلما مات إسماعيل وعمره مائة وثلاثون عاما دفن مع أمه في الحجر ذكر ذلك قطب الدين الحنفي في ترايخ [ تاريخ ] مكة نقلا عن الأزرقي « 1 » وقد أوجب الله احترام النبي ( ص ) غاية الاحترام فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ( ولو كان ) احترام قبور الأنبياء والصلحاء عبادة لها وشركا لكان تعظيم الكعبة والطواف بها والحجر الأسود وتقبيله والحجر والمقام والمساجد والمشاعر والأبوين وإطاعتهما وخفض جناح الذل لهما وغض الأصوات عند رسول الله ( ص ) وخفضه جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وسجود الملائكة لآدم وسجود اخوة يوسف وأبويه له وتعظيم الجنود لأمرائهم والصحابة للنبي ( ص ) وللخلفاء والأنبياء لآبائهم وأمهاتهم وقيامهم وخضوعهم لهم والوهابية للسلطان ابن سعود وغير ذلك كله عبادة لغير الله وشركا ولم يسلم من الشرك نبي فمن دونه ( لا يقال ) التعظيم الذي نص الشرع عليه وأمر به لا كلام لنا فيه انما الكلام فيما لم ينص عليه الشرع ( لأنا نقول ) إذا فرض ان كل تعظيم عبادة وكل عبادة لغير الله شرك يكون الله تعالى قد أمر بالشرك ورضيه وأحبه وذلك باطل لقبح الشرك عقلا ونقلا ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) * ولا يمكن ان يرخص الله تعالى في الشرك وورود الأمر به لا يرفع الشركية لأن ما هو شرك قبل الأمر لا يصير توحيدا بالأمر به إذا الحكم لا يغير الموضوع كما مر في المقدمات مع أنه كما يقال بورود الشرع بتعظيم هذه المذكورات يقال بوروده بتعظيم قبور الأنبياء والصالحين لما عرفت من أن فضلها وبركتها الموجب لتعظيمها ثابت بضرورة 145 الشرع وكيف أمر الله بتعظيم المقام وما هو الا صخرة تشرفت بقيام إبراهيم ع عليها حين بناء البيت وبأثر قدمه ولم تكن وثنا معبودا ولا معظمها كافرا ولا مشركا وكان معظم قبر إبراهيم خليل الرحمن ع وقبر محمد ( ص ) سيد ولد آدم اللذين حويا جسديهما الشريفين كافرا ومشركا سُبْحانَكَ اللهم هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وتوهم ورود النهي عن تعظيم القبور بينا فساده في محاله ( ويكفي ) في حرمة القبور وشرفها وفضلها وبركتها إيصاء الصاحبين ان يدفنا مع النبي ( ص ) وقد عد دفنهما معه أعظم منقبة لهما ولو كانت القبور ليس لها حرمة وشرف ولا ترجى بركتها وبركة جوارها فما الموجب لذلك ولما أراد بنو هاشم تجديد العهد بالحسن بن علي ( ع ) بجدة ( ص ) وظن بنو أمية وأعوانهم انه يريدون دفنه عند جده لبسوا السلاح ومنعوهم أشد المنع قائلين أيدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسين [ الحسن ] عند حده [ جده ] وإذا لم يكن للقبر حرمة ولا شرف ولا بركة ترجى فلما ذا يأتي بنو هاشم بجنازة الحسن ليجددوا به عهدا بجدة ( ص ) بوصية منه وهل هذا الا عين التوسل والتبرك بالنبي ( ص ) وبقبره بعد الموت الذي أنكره الوهابية وجعلوه شركا وهل أشرك الحسن ( ع ) وبنو هاشم بفعلهم هذا وجهلوا معنى التوحيد الذي عرفه اعراب نجد وإذا لم يكن للقبور شرف وحرمة فلما ذا يتأسف بنو أمية لدفن عثمان في أقصى البقيع ويمنعون من دفن الحسن عند جده كل ذلك دال على شرف البقعة وفضلها عند عموم المسلمين بشرف من فيها وان الدفن فيها طلبا لشرفها وبركتها امر راجح مطلوب محبوب تراق دونه الدماء وتزهق النفوس ( وحينئذ ) فقياسهم تعظيم قبور الأنبياء والصالحين بتعظيم الأصنام والأوثان التي لم يجعل الله لها حرمة ونهى عن تعظيمها سواء كانت صور قوم صالحين أو غيرها قياس فاسد وجهل فاضح ( وقال ) صاحب المنار في مجموعة مقالاته ( الوهابيون والحجاز ) ما معناه : ان تعظيم القبور تعظيما دينيا من اعمال الشرك ( ثم قال ) حدثني الشريف محمد شرف عدنان باشا حفيد الشريف عبد المطلب الذي كان اعقل رجل في شرفاء مكة انه رأى رجلا في مسجد ابن عباس بالطائف يصلي مستقبل القبر مستدبر القبلة فظنه أعمى وجاء ليحوله إلى القبلة فرآه بصيرا وأبى ان يتحول فأمر بإخراجه ( إلى أن قال ) ما حاصله : ان تعظيم القبور تعظيما دينيا كان سببا لمنكرات كثيرة وان استحلال المجمع عليه والمعلوم من الدين بالضرورة كفر وخروج من الملة انتهى . وقد عرفت بما بيناه وأوضحناه ان تعظيم قبور الأنبياء والصالحين تعظيما دينيا من الأمور المندوب إليها في الشرع كتعظيم نفس الأنبياء والصالحين وان حرمتهم أمواتا كحرمتهم احياء وانه كتعظيم جلد الشاة المعمول جلدا للمصحف لا يشك في ذلك الا جاهل أو معاند وما حكاه عن هذا الشريف لم نسمع بمثله في شيء من بلاد الإسلام لا من الخواص ولا من أجهل العوام ولا نظنه الا فرية وان فرض صدقه لا يوجب ان يكون كل تعظيم شركا وكفرا فهل إذا عظمت السبائية عليا ( ع ) وأوصلته إلى درجة الألوهية يكون كل تعظيم له شركا . ويدخل في حكمه على استحلال المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة بأنه كفر وخروج من الملة تعظيم قبر النبي ( ص ) والتبرك به فان المسلمين قد أجمعوا على ذلك في جميع الأعصار والأمصار قولا وعملا حتى وصل إلى حد الضرورة ولم يخالف فيه غير الطائفة الوهابية . واما التبرك بقبر النبي ( ص ) وغيره بلمس وتقبيل وتمسح به وطواف حوله ونحو ذلك فالحق جوازه ورجحانه لما ستعرف من الأدلة الكثيرة الدالة عليه

--> ( 1 ) راجع صفحة 22 و 27 من تاريخ مكة بهامش خلاصة الكلام .